أخبار وطنية اليمين واليسار، أي دور للمصطلحات الأم في الواقع السياسي اليوم؟
بقلم مهدي الشيحاوي
طالب في كلية العلوم القانونية و السياسية
بعد ان انهت مع حقبة الاستعمار والسيادة المزدوجة والمنقوصة، عاشت ولا تزال الأمم العربية في ظل أنظمة عمدت جاهدة الى بسط سيطرتها على جميع مفاصل وهياكل المجتمع.
لقد جاءت الأنظمة "الأوتوقراطية" لتتجذّر وتبقى. ولضمان هذه الديمومة، سعت هذه الأنظمة بما تحتكره من وسائل اعلام وتخويف وترعيب الى تغييب المواطن من الحياة العامة وعالم السياسة، هذا العالم الذي خُلِق لخدمتِه، رعاية مصالحه وضمان حريّاته الأساسية.
فسياسة التغييب هذه أفرزت نتائج عديدة نكتفي ان نذكر منها نتيجتيْن: الأولى وهي فقدان المواطن على مرّ العقود لكمٍّ لا بأس به من الحقوق و الحريّات الاساسيّة المدنيّة و السياسيّة رغم التزام الدول العربيّة باحترامها بل حمايتها و العمل على صيانتها و ذلك عبر توقيعها على الميثاق العالمي المتعلق بالحقوق المدنية و السياسية بتاريخ 16 ديسمبر 1966 ناهيك عن التخلف و السقوط السياسي الذي أضحى ينخر المجتمعات العربيّة المعاصرة بل يجعلها تُقْصِي كلّ أمل لتغيير منظومة أثبتت منذ سنوات عدم قدرتها على مواكبة قافلة الإصلاح و الانفتاح.
ابتعد المواطن العربي البسيط عن السياسة وشؤون إدارة بلده وكلّ ما يطوف حول السّاسة. تمّ إقناعه بأحكام مُسْبقة أنّهُ لم يبْلغ الدّرجة من الوعي والنضج الكافِييْن لِتشْريكه كما ينبغِي. إذْ أمْسَى لنا مجتمعًا عربيًّا وعلَى وجه الخصوص شبابًا لا يفقه حلّ أبسط المعادلات السّياسية وفكِّ رُموزِها، لا قدرة له أن يناقش ساسة بلده ولا دِراية له بالمصطلحات الأكثر تداولا في الأخبار السِياسيَّة لعلَّ أهمُّها "اليمين واليسار".
من البديهي أن نعلم أنّ المصطلحين "اليمين واليسار" هما مجرّد تقسيم للأحزاب والتنظيمات الّسياسية إلى تقسيميْن اساسييْن، إلى عائلتيْن بارزتيْن في المشاهد السّياسيّة ذات التّقاليد الدّيموقراطيّة العريقة.
ولِمعرفة دلالة اليمين واليسار ولِماذا تمّ اللجوء إلى معيار او سلّم كهذا للتمييز بين السياسيّ المحافظ لأعراف وتقاليد مجتمعه والسياسيّ الذي ينادي إلى تغييرها ومواكبة العصر.
هذا "التقسيم الكبير" (من العبارة اللاتينية" سوما ديفيزيو") الذي يساعد على معرفة الحزب الذي يرى في اقتصاد السوق معبرا نحو تحقيق الثروة والحزب الآخر الذي يعتبر تدخّل الدّولة ضروريًّا لا لتحقيق الثروة فحسب بلْ العدالة الاجتماعية. يعني نحن لسنا أمام تقسيم فحسب، بل نحن أمام نظرتيْن مختلفتيْن للمجتمع سواء كان في اقتصاده، أوْلوياّته ونمط عيْشه.
والسؤال البديهيّ الذي يطرح "لماذا اليمين يمينًا واليسار يسارًا؟" وللإجابة عن هذا السّؤال حريّ بنا الرّجوع إلى يوم 11 سبتمبر سنة 1789 في أعقاب الثورة الفرنسية بعد شهر واحد فقط من إلغاء الامتيازات الإقطاعيّة وإصدار الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن من قبل الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة التي اُوكلت لها مهمّة وضع دستور لإرساء نظام يتقاسم الملك الحكم مع برلمان منتخب من الشّعب.
وفي إطار توزيع الاختصاصات بين الملك لويس السادس عشر والمجلس النيابي المنتخب، أُثيرت نقاشات حادّة حول حق النّقض الملكي أو الذي يُعرَف بحق الفيتو (وهي سلطة تقديريّة لِلملك لرفض القوانين الصادرة من المجلس). وباختيار من النّواب، قرّر الأعضاء المساندون لحقّ الفيتو الجلوس على يمين رئيس المجلس. أما الذين عارضوا هذا الحق التقديري فقد قرّروا الجلوس على يسار رئيس المجلس. وهذه كانت طريقة إثارة اختلاف جوهري في مشروع الملكيّة الدّستوريّة الذين يُريدون إرْسائها.
ورغم تجاوز هذا الاختلاف أبقى النّواب على هذه التفرقة لِتتأسّس عليْها نوادي سياسية تلك التنظيمات الحزبيّة التي ستؤدّي إلى ظهور أحزاب سياسيّة (النادي السياسي بالبرلمان تحوّل إلى حزب المحافظين الحالي الحاكم) tories البريطاني وعليه ومع الثورة الصناعيّة وصعود طبقة بورجوازيّة استفادت من إلغاء الإقطاعيّة وحق الملكيّة الفرديّة من جهة وطبقة عمّاليّة من جهة أخرى تنادي بتحسين أوضاعها، أمسى لليمين واليسار معانٍ وأفكار قد تجاوزت مجرّد حقّ نقض ملكيّ لتصبح حاملة لمشروع مجتمعيٍ كامل وشامل من الحوْكمة والسّياسات العامّة إلى التعليم والصحّة والنّمط الاجتماعي بمرور الزمن، تفرّعت كل واحدة ليكتمل سلّم الحساسيّات السياسية بجميع أطيافها من المعتدلة وصولا بمتطرّفة الخطاب.
نظرا لِطبيعة الأنظمة السّياسيّة التي تحتكر سدّة الحكم، ابتعدت العامّة عن السياسة وتم تهميشها أكاديميا في الكليات والجامعات رغم ديناميكيتها وارتباطها الوثيق بالمنطق والعلوم الاجتماعية. أضف إلى ذلك ولوْ وُجِدَ نقاش سياسي في مشهدٍ عام حيّ فإنّ هذا الأخير سيتمحور حول مكانة الدين في الدولة في سياساتها وقوانينها لِينقسم المشهد السياسي إلى شقّ إسلاميّ وآخر عِلْمانيّ.
وخيْر برهان هي تونس من سنة 2011 بفوز الإسلاميين مرورًا ب 2014 واحتداد الاستقطاب الثنائي المذكور ليضْمحلّ مدّة ويعود أكثر حدّة في صائفة 2018 عندما أثار الرئيس التونسيّ السّابق مسألة الميراث مصحوبة بتقارير تتعلق بالحريّات الفرْديّة.
ولئن تشبّعت الدول الديموقراطية بمعاني اليمين واليسار فإنّ الدول الأخرى كالدول العربيّة لم تٌتِح لها الفرص السانحة لعيش الحمّى السياسيّة مما يجعل الراي العام لا حماس له لإلقاء نظرة على الاخبار السياسيّة بلْ يتجاوزها لينكبّ على ميادين أخرى.
وغياب هذا الحماس يجعل رأينا العربيّ العام... سأذكرها رغم حدّة التعبير جاهلا... جاهلا سياسيا.